
الاكتئاب عبارة عن مصطلح يُستخدم لوصف خليط من الحالات المرضية في الانسان، والتي يَغْلُب عليها طابع الحُزن وتؤثر بطريقة سلبية علي التفكير والتصرف.
يعد الاكتئاب أحد الأمراض النفسية انتشاراً في الوقت الحالي، ويصاب به الذكور والاناث ولكن بنسب متفاوتة، فعادةً يصاب 20% من الاناث و 12% من الذكور بنوبة من الكآبة في حياتهم.
• انتشار الاكتئاب:
تنتشر أعراض الاكتئاب في المجتمع بمعدل يتراوح ما بين 13 الي 20% من السكان، ومن هؤلاء 7% يعانون من حالات اكتئاب شديدة.
وقد أثبتت الدراسات التي شملت العديد من الدول في العالم تفاوت معدلات الاكتئاب، فمعدل الاصابة بالاكتئاب في العالم العربي مثلاً أقل، لأنه يقع في مناطق تتميز بجو معتدل مشمس معظم أشْهُر السنة، ولا يزال فيه التمسك بالروابط الاجتماعية و التقاليد التي تقلل من اصابة سكان تلك المناطق بالاكتئاب.
• من هم أكثر الناس عُرضة للإصابة بالاكتئاب؟
يصيب الاكتئاب كل الأعمار، لكنه أكثر ظهوراً في العقد الثالث والرابع من العمر، وهي قمة سنوات العطاء عند الشخص.
كما أن هناك ميلاً لفئات معينة من الناس للاكتئاب أكثر من غيرها، كمن يعانون أمراضاً مزمنة أو خطيرة ومن يتعاطون الكحول و المخدرات و نزلاء السجون. و هناك بعض المؤشرات تفيد أن الطبقات المتوسطة اجتماعياً وثقافياً أقل عرضة للاكتئاب من الطبقات المنخفضة و العالية.
• أنواع الاكتئاب:
هناك أنواع متعددة من الاكتئاب قُسمت حسب طول فترة الحُزن، وعما اذا كان الحُزن قَد أثر علي حياة الفرد الاجتماعية و المهنية أم لا، ومن هذه الأنواع:
- نوبة الاكتئاب الكبرى: وهي أهم و أخطر أنواع الاكتئاب.
أعراضها: هناك تسعة أعراض رئيسية لهذا النوع وهي:
الشعور بالحُزن في معظم الأوقات خلال اليوم الواحد، و هذا الشعور إما أن يُعَبر عنه الشخص أو يلاحظه المحيطين به.
فقدان الشخص الاحساس بالمتعة لأشياء كانت تُعتبر ممتعة له كهوايات أو عادات يومية كان الشخص يمارسها قبل ذلك.
تغير في وزن الشخص إما بفقدانه أو اكتسابه للوزن نتيجة لتغير شهيته للأكل، والتي تقل عند البعض وتزيد عند البعض.
تغير في طبيعة النوم اما بالنوم أقل أو أكثر من المعتاد.
تغير في مستوي نشاط الفرد مقارنة بالسابق، حيث يصيب البعض خمول شديد أو عدم القدرة علي فعل شيء.
شعور الشخص بأنه ليس له قيمة اجتماعية في المحيط الذي يعيش فيه وأن وجوده أو عدمه لا يغير من الأمر شيء.
شعور المرء بأنه لا طاقة له أو محفز للقيام بأعماله اليومية.
قلة القدرة علي التركيز و التفكير بصورة عملية في اتخاذ القرارات.
التفكير المستمر بالموت والرغبة في انهاء الحياة إما بشكل أمنيات بأن يتمني أن يموت بطريقة طبيعية أو بشكل التفكير و التخطيط لاستعمال وسيلة معينة للانتحار.
- فترة حزن قصيرة: وسميت بذلك لكونها لا تستمر أكثر من أسبوعين تقريباً ولا ترتقي الي مستوي نوبة الاكتئاب الكبرى.
أسبابها: عادة ما يكون سببها عوامل توتر خارجية، ومن أهمها فقدان مستوي اجتماعي أو اقتصادي معين، أو الشعور بالذنب نتيجة لخرق ضوابط اجتماعية أو دينية أو القيام بوظيفة أقل أو أكثر من قدرات الشخص.
أعراضها: يظهر علي الشخص عادة اي خمسة من أعراض نوبة الاكتئاب الكبرى التسعة، و لكن اذا استمرت نوبة الاكتئاب لأكثر من أسبوعين ولم يتمكن الشخص من مزاولة أنشطته الاجتماعية و المهنية فان ذلك يرتقي بالحالة الي نوبة الاكتئاب الكبرى.
- الاكتئاب نتيجة الحزن علي موت شخص عزيز: حيث يشعر الشخص بمجموعة من المشاعر تفوق في حدتها فترة الحزن القصيرة، لكنها لا ترتقي الي مستوي نوبة الاكتئاب الكبرى.
أعراضها: يشعر الشخص باضطراب في النوم وفقدان الشهية وفقدان الوزن وخمول شديد يمنع الفرد من مزاولة أنشطته اليوميه ويتخيل في بعض الأحيان أنه شاهد أو سمع صوت المتوفي، وقد يصل الأمر الي رغبته في الموت لشعوره بعدم وجود قيمة لحياته بعد رحيل الشخص المتوفي.
مدتها: تختلف طول مدة الحزن الطبيعية علي شخص متوفي من منطقة الي أخري حسب الثقافة والمعتقدات، لكن هناك حد اجتمع عليه معظم الأطباء النفسيين ألا و هو شهرين، وعلي هذا الأساس إن استمرت الأعراض المذكورة لمدة تزيد عن شهرين، وكانت لها تأثير علي حياة الفرد الاجتماعية والمهنية، فان ذلك يرتقي بالحالة الي نوبة الاكتئاب الكبرى.
- اكتئاب ما بعد الولادة: ويحدث أحياناً للأم بعد الولادة نتيجة للتغيرات الكبيرة في نسبة الهرمونات في الجسم.
أعراضها: تشعر معظم الأمهات بفترة حزن خفيفة خلال العشرة أيام الأولي بعد الولادة، ومن الأمهات من تكون حزنها أكثر حدة حيث يؤدي الي عدم مقدرتها علي العناية بطفلها، أو تكون حريصة أكثر من اللازم لحماية طفلها، بحيث يكون هذا الحرص سبباً في عدم تمتع الطفل بقسط كافي من النوم، والوصول الي هذه الحالة الغير طبيعية يكون شائعاً أكثر في الأمهات اللواتي كن تعانين في السابق من نوبة الاكتئاب الكبرى، وهناك احتمالية تصل الي 50% أن تتكرر هذه الحالة في المستقبل عندما تصبح الأم حاملاً للمرة الثانية.
- اضطراب العاطفة الموسمي: ويمكن اعتبار هذا النوع من الكآبة أحد الفروع الثانوية لنوبة الاكتئاب الكبرى، وينتشر هذا النوع عادة في المناطق الباردة ذات الشتاء الطويل.
أعراضه:عادة ما تكون الشعور بالخمول وكثرة الأكل وخاصة الحلويات.
- تعكر المزاج ثنائي القطب: وسمي بذلك لأنه يتميز بتناوب فترات من الكآبة مع فترات من الابتهاج والتي تختلف في طبيعتها عن الشعور بالابتهاج الطبيعي كونها تؤدي بالشخص الي القيام بأعمال طائشة و غير مسؤولة في بعض الأحيان، وكثيراً ما يكون الأشخاص المبدعين كالفنانين والعلماء أكثر عرضة للإصابة بهذا المرض.
- المزاج الحزين المزمن: وهو عبارة عن نوع من الكآبة يكون فيه الشخص متطبعاً لصفة الحزن الخفيف لفترة طويلة، والتي لا ترتقي في حدتها الي نوبة الاكتئاب الكبرى.
مدته: يتطلب تشخيص هذه الحالة علي الأقل سنتين من المزاج المتعكر أو الحزين في معظم أيام السنة.
أعراضه: يعاني هؤلاء الأشخاص من ضَعْف الثقة بالنفس، وعدم الاحساس بالمتعة، وضعف التركيز، ونقد الذات بكثرة مع عدم الايمان بقدراتهم الذاتية، وشعور بعدم الأمل بأي امكانية لمستقبل مشرق.
• الاكتئاب و الانتحار:
هناك بعض العلامات التي يستدل بها الأطباء النفسيون علي أن بعض مرضي الاكتئاب لديهم دافع قوي علي الاقدام علي الانتحار، ومن هذه العلامات: احساس المريض بالضيق الشديد وبأن صبره قد نفذ، ولم يعد لديه القدرة علي تحمل وضع ما، وهو في هذه الحالة يبدو مستسلماً ولا يرحب بمناقشة مشكلاته أو البحث عن حلول لها، لأن الحل بالتخلص من الحياة يبدو أمامه وكأنه الخيار الوحيد والأمثل في حين يُغْلِق المرض أمامه أية حلول أخري، وقد يتسأل المريض عن أهمية الحياة وقيمتها ويذكر أنه لا سند له في هذه الحياة ولا أمل له في المستقبل.
ويُفسر علماء النفس الانتحار بأنه نوع من العدوان الداخلي الذي يرتد الي النفس بدلاً من خروج هذا العدوان الي المحيطين بالشخص.
وعادة ما يقوم مرضي الاكتئاب بتنفيذ محاولات الانتحار في ساعات الصباح الأولي و هو الوقت الذي تكون مشاعر الاكتئاب في قمتها، وقد لاحظت دوائر الشرطة في بعض الدول الأوروبية أن حالات الانتحار تقع دائماً في عطلة نهاية الأسبوع وفي أيام الأعياد، وتفسير ذلك أن احساس الاكتئاب يزداد عمقاً لدي الكثير من الأشخاص في مثل هذه المناسبات التي يُفترض أن تكون فرصة للبهجة والاستمتاع بالحياة.
• أسباب الاكتئاب:
الجينات: حيث وجد أن هناك عوامل وراثية لظهور الاكتئاب في بعض العائلات، وقد أثبتت الدراسات التي أجريت علي التوأم المتشابه، أن اصابة أحد التوائم بالاكتئاب يزيد من فرصة حدوث الاكتئاب في التوأم الاخر الي 70% في مرحلة ما في حياته.
أسباب عضوية: ومنها تغيرات في بعض كيميائيات المخ التي من أهمها مادة السيروتونين، والذي يؤدي نقصها عادة الي حدوث الاكتئاب النفسي.
أمراض وعاهات جسدية: فهناك قائمة كبيرة من الأمراض الجسدية التي تؤدي الي الاكتئاب إما نتيجة لطبيعة المرض المزمنة أو نتيجة لاستعمال أدوية معينة قد تؤدي بصورة غير مباشرة الي ظهور أعراض الاكتئاب، ومن هذه الأمراض: مرض السكري وأمراض الغدة الدرقية وأمراض القلب والسرطان.
عوامل توتر خارجية: كفقدان شخص عزيز، أو فقدان مستوي اجتماعي أو اقتصادي معين، أو كثرة التعرض للعنف و الاعتداء النفسي أو الجسدي.
• علاج الاكتئاب:
هناك عدة طرق لعلاج الاكتئاب منها:
- أولاً العلاج الدوائي: يوجد الكثير من الأدوية التي تُستخدم كمضادات للاكتئاب كتلك الأدوية التي تُحفز تكوين مادة السيروتونين.
تحذير: لا يجوز تناول أي مضاد للاكتئاب دون استشارة الطبيب، لما قد يؤديه من أعراض جانبية وتعارض مع احتياج المريض، فالطبيب النفسي يستطيع من خلال الأعراض الظاهرة علي المريض وصف العقار المناسب والجرعة المطلوبة.
- ثانياً العلاج النفسي: المشكلة الرئيسية في استعمال أي دواء لعلاج الاكتئاب أنها تحتاج من 4 الي 6 أسابيع ليبدأ مفعولها، وقد لا يظهر أي تحسن من استعمال دواء معين فيقوم الطبيب بتجربة نوع اخر من الدواء علي المريض. لذا كان لابد من العلاج النفسي بجانب العلاج الدوائي، حيث أن الدواء وحده لن يكون له مفعول اذا لم يتم محاولة حل مشاكل المريض، فعلاج الاكتئاب هو مجهود جماعي يشارك فيه الطبيب والمريض نفسه الذي من المفترض أن يكون له دوراً قيادياً في العلاج.
وهناك عدة أنواع من العلاج النفسي و أهمها:
العلاج السلوكي المعرفي: ويستند علي مساعدة المريض في ادراك و تفسير طريقة تفكيره السلبية، بهدف تغييرها الي أفكار وقناعات ايجابية أكثر واقعية، ويُستعمل هذا النوع من العلاج بصورة متزامنة مع الأدوية.
علاج الايقاع الشخصي المتناسق: ويستند علي مساعدة المريض في العيش بتناغم مع الأشخاص القريبين والمحيطين به كأفراد عائلته بواسطة تشخيص الأساليب الغير مرنة التي يستخدمها المريض في تعامله مع الاخرين . ويُفضل في هذا النوع من العلاج أن يتم في حضور الأشخاص الذين يتعايشون مع المريض بصفة يومية كأفراد عائلته أو زملاؤه في العمل، لمساعدة جميع الأطراف في تحديد العوامل التي تُسبب التوتر ومساعدتهم في انتهاج أساليب عملية لحل هذه الخلافات.
- ثالثاً التمارين الرياضية كعلاج للاكتئاب: فقد أثبتت دراسة بريطانية أن التمارين الرياضية تُساعد الذين يُعانون من اكتئاب من الدرجة المتوسطة علي الشفاء لأنها ترفع من تقديرهم لأنفسهم من خلال تحسين صورة أجسامهم أو تحقيق أهدافهم، كما أنها تُساعد علي افراز المخ لبعض المواد الكيميائية التي تجعل الانسان يشعر أنه في حالة أفضل.




0 التعليقات


