الاستكشاف والتنقيب عن النفط
تصنف آبار النفط والغاز في نوعين أساسيين هما الآبار الاستكشافية exploration wells والآبار المنتجة producing wells فالبئر الاستكشافية تحفر للتحقق من وجود الزيت أو الغاز في الصخور الباطنية والتأكد من جدواه الاقتصادية، وهذا مايدعو إلى تسميتها أحياناً «البئر الجزافية wildcat» أي التي تحفر جزافاً. أما الآبار الاستثمارية أو المنتجة فهي التي تحفر بعد أن تؤكد البئر الاستكشافية وجود النفط في المنطقة. وقد يحفر منها عدة آبار في الموقع نفسه لزيادة فاعلية الإنتاج.
كان المنقبون عن النفط في أيام نشوء هذه الصناعة، يفتشون عن الينابيع الطبيعية ويحفرون آبارهم حولها. وقد علمتهم الممارسة والخبرة تَبيُّن مؤشرات محددة تدل على وجود النفط في مكامنه تحت الأرض. ويظن الكثيرون خطأ أن النفط موجود في بحيرات أو أنهار تحت الأرض. والحقيقة أن النفط والغاز كليهما موجودان في ثقوب دقيقة تدعى المسام pores في بعض الصخور التي قد تبدو صماء. وقد يتصل بعض هذه المسام فيما بينها فيصبح الصخر نفوذا permeable يسمح للزيت بالحركة ويمكن استخراجه منه إذا وجد بكميات كافية في مساحة مقبولة من الصخر تغطي نفقات الحفر والاستكشاف والاستخراج ـ ولاسيما في البحر ـ وهي نفقات باهظة جداً.
يوجد الزيت والغاز غالباً في صخور رسوبية نفوذة تكونت من مواد سابقة لها. ويعد الصخر الرملي والصخر الكلسي أكثر هذه الصخور أهمية في نظر الجيولوجيين المهتمين بالنفط، كما أن للطين الصفحي، وهو من الصخور الرسوبية الكتيمة، وللصخور الكتيمة الأخرى أهميتها لأنها تمنع نفوذ السوائل الهدروكربونية المحصورة في الصخور حولها، فتؤلف مايعرف بالمصائد أو المحابس traps.
تتألف المصيدة على وجه العموم من طبقات من صخور نفوذة تحوي الهدروكربونات وطبقة صخرية كتيمة تؤلف حاجزاً يمنع السوائل والغازات من الخروج من مسامها في الطبقة النفوذة. وتنتج معظم المصائد عن حوادث جيولوجية تتسبب في تشوه طبقات الصخور كأن تكون طبقات أفقية تطويها حركات الأرض والزلازل فتصبح مقوسة أو مقعرة. والطراز الأساسي من المصائد هو الذي ينشأ عن التواء طيات folding الأرض أو تصدعها faulting
وإن عدم تطابق طبقات الصخر أو تقببها أو حدوث السدادات فيها أو تبدل نفوذيتها داخل التكوين الصخري، أو بعض هذه الأسباب، يؤدي إلى نشوء المصائد. ولما كانت معظم المصائد السطحية التي لها مؤشرات ظاهرة قد نضبت أو في طريقها إلى النضوب، فقد أضحى من العسير التفتيش عن مكامن النفط اعتماداً على المؤشرات الظاهرة، ولاسيما في البحر حيث تغمر المياه العميقة قعره. ولا بد للمنقبين من اعتماد الطرائق العلمية غير المباشرة للكشف عن مكامن النفط ولاسيما في المراحل الأولى من البحث وتعتمد هذه الطرائق أساساً على خصائص معينة. فلكل نوع من الصخر خاصة مغنطيسية وكثافة تميزانه من غيره، وإذا ما استخدمت أدوات وأجهزة حساسة تمكن الباحث من قياس الفروق بين الصخور تحت الأرض، فإنه يستطيع تحديد التكوينات الصخرية التي قد تحتوي على الهدروكربونات. وكلمة «قد» هنا لازمة لأنه ليس من ضمانة لوجود الهدروكربونات في التكوينات الصخرية المعنية ولو توافرت كل الشروط الأخرى.
يقطر المركب خلفه مولد صوت sound generator تحت مائي على مسافة محددة، كما يقطر كبلاً طوله نحو 3كم (يدعى جدولاً انسيابياً streamer في لغة أهل النفط) تربط به كواشف للصوت تدعى مسماعات مائية (هيدروفونات) على أبعاد متساوية وله قوة طفو سالبة، وتعلق به أثقال تبقيه غائصاً تحت الماء على عمق كاف يجنبه تأثيرات الأمواج السطحية وتأثير الضغط الهدروستاتي.
ومولد الصوت المذكور هو مدفع يطلق هواء مضغوطاً على دفعات متتالية تحدث فرقعة عالية لا تلحق ضرراً بالأحياء البحرية ـ على نقيض المتفجرات التي كانت تستعمل في السابق ـ فتندفع الموجات الصوتية الصادرة عن المدفع نحو قعر البحر وتتوغل في التكوينات الصخرية تحته، ثم تنعكس عنها لتلتقطها المسماعات في الماء. ويختار موقع المدفع لكي لا يكون قريباً من سطح الماء فتضيع طاقته ولا عميقاً فيحدث فقاعة هوائية تُنتج عند صعودها إلى السطح وتفريغها قطاراً (سلسلة) من الموجات يؤثر في عمل الكواشف.
تحول المسماعات تحت الماء طاقة الصوت إلى نبضات كهربائية ينقلها الكبل إلى أجهزة التسجيل الزلزالي المثبتة على متن المركب، وهي أجهزة رقمية يمكنها تسجيل نحو 120 قناة أو أكثر ولها مضخمات ومرشحات ومازج يمسح الشارات الملتقطة بفاصل زمني منتظم (1ـ 4 ميلي ثانية) ويسجلها رقمياً على شريط ممغنط. وترسل الأشرطة إلى المختبر حيث تعالج معطياتها وتفسر بالاستعانة بالحاسوب ويرسم بالاستناد إليها مقطع زلزالي يستطيع الخبراء قراءته وتحديد مكان الحفر الاستكشافي إن دل المقطع على احتمال وجود مصائد النفط.
تحديد الموقع: بعد أن يتم جمع المعطيات اللازمة عن احتمال وجود النفط في منطقة ما، لا بد من توافر معلومات إضافية تحدد بدقة المكان الصحيح للموقع الذي ستجري فيه عمليات الحفر. ومثل هذا العمل على سطح اليابسة لا يتطلب جهداً كبيراً، إذ يستطيع المساح تحديد الموقع بسهولة استناداً إلى نقاط جيوديزية طبيعية وبمساعدة أجهزته الطبوغرافية. أما في البحر فالأمر مختلف تماماً، وثمة طرائق خاصة تتبع في تحديد الموقع يختار أنسبها بحسب الحال والإمكانات المتاحة، ففي بعض الحالات يتم العثور على النقطة المطلوبة وتحديد موقعها الدقيق بطريقة التثليث الراديوي وتتبع هذه الطريقة غالباً في المواقع البحرية القريبة من اليابسة، فتقام محطتان أو ثلاث محطات لاسلكية على اليابسة على مسافات محددة فيما بينها، وتعمل على تردد واحد مع المحطة اللاسلكية الموجودة على السفينة، والوقت الذي تستغرقه الإشارات المتبادلة بفواصل زمنية منتظمة بين المركب والمحطات الأرضية يدل دلالة صحيحة على المسافة التي تفصل المركب عن تلك المحطات، ويمكن بذلك تحديد موقع المركب في كل لحظة بدقة تامة. وعيب هذه الطريقة زيادة احتمال الخطأ كلما توغل المركب في البحر، فإذا تجاوز البعد عن الساحل 200كم أصبح الخطأ كبيراً جداً. وعندئذ تتبع الملاحة الفلكية مع الاستعانة بالسواتل.
ولتحديد عمق المياه في الموقع البحري البعيد يستخدم جهاز دبلر الصوتي Doppler sonar الذي يركب في أسفل السفينة ويولد نبضات فوق الصوتية تتجه إلى قعر البحر وتنعكس عنه فيلتقطها الجهاز ويقيس العمق الذي يفصل المركب عن القعر. ولدى قياس مقدار انزياح الموجات الصوتية المنعكسة عند جؤجؤ (مقدم) المركب وكوثله (مؤخره) يمكن معرفة سرعة حركة السفينة، ويتولى الحاسوب في هذه الحالة حساب السرعة الحقيقية مع مراعاة العوامل المؤثرة في حركة المركب كالميل وسرعة الريح واتجاهها وتأثير الأمواج وحركات المد والجزر وغير ذلك. ويتحدد موقع السفينة في كل لحظة على أساس سرعة المركب والمسافة التي قطعها واتجاه حركته. وفي حالات أخرى يمكن الإفادة من السواتل الفضائية في تعيين مكان المركب أو موقع الحفر، ولاسيما في المناطق البحرية النائية التي لا تغطيها شبكة التثليث الراديوي، فيمكن للمركب أن يستفيد من معطيات السواتل المختلفة الموجودة في الفضاء على ارتفاعات متباينة (مثل منظومة السوات[ل البحرية الأمريكية) لتحديد موقعه في البحر بدقة كبيرة استناداً إلى ثوابت دوران الساتل الذي يبث إشاراته دورياً، ويتولى جهاز الاستقبال على المركب تحليل رموز هذه الإشارات عندما يمر الساتل في مجال استقباله، ويحدد موضع الساتل في تلك اللحظة، وتدخل هذه المعطيات في الحاسوب الذي يقوم بحساب انزياح دبلر وموقع الساتل الفعلي نتيجة حركته وحركة المركب وسرعته واتجاهه ويوازن بين هذه المعطيات جميعها ليحدد موقع المركب في كل لحظة وبدقة كبيرة. وتسجل هذه المعطيات دورياً ثم ترسل إلى مركز المعالجة الرئيسي على اليابسة لرسم مسار المركب وتحديد موقعه وموقع النقاط التي تم مسحها من قعر البحر. وتجهز غرفة الملاحة في المركب عادة بوحدة تلفزة تبين مساره وموقعه.
والطريقة الوحيدة الممكنة للتحقق من وجود النفط هي حفر بئر في تلك التكوينات. ولكن المشكلة الرئيسة هنا هي اختيار البقعة التي يجب أن يتم الحفر فيها. فالمساحات التي يغطيها البحر شاسعة وعلى الباحث عن النفط أن يقصر همه في بقعة ضيقة. وهذا مايضطره أحياناً إلى القيام بأربع عمليات أساسية: المسح المغنطيسي والمسح الثقلي والمسح الزلزالي ثم حفر بئر استكشافية إذا كانت معطيات المسح إيجابية واعدة. وتتم هذه الخطوات بالتتابع عادة عندما يكون التنقيب عن النفط على سطح اليابسة. أما في البحر فتنفذ معظم الأعمال الاستكشافية من على ظهر مركب مجهز بمعدات متنوعة وتوفر له إمكانية تنفيذ المسح بأنواعه في آن واحد:
المسح المغناطيسي: يستخدم في المسح المغناطيسي جهاز خاص يدعى «مقياس المغناطيسية» magnetometer تقطره السفينة أو يركب على جناح طائرة استكشاف مهيأة لهذا الغرض فيقيس الجهاز مغناطيسية الصخور تحت القشرة الأرضية ويسجل نتائجها. فإذا كانت الصخور متجانسة دلت مؤشرات الجهاز على وحدة الحقل المغناطيسي، أما إذا أشار الجهاز إلى وجود شذوذ (تباين) في الحقل فسوف يستدل على وجود صخور تحوي فلزات ذات خصائص مغناطيسية وهي إحدى علامات احتمال وجود النفط. فالصخر القاعدي، وهو صخر ناري، يقع في كثير من الحالات تحت طبقات رسوبية، وهو نادراً ما يحوي على مركبات النفط إلا أنه يبقيها فوقه في بعض الحالات، أو أنه يتخلل الصخر الرسوبي في اندفاعاته فيحدث فيه طيات (تحدبات) قد تكون مصائد للنفط أو الغاز، ولا بد من الإشارة هنا إلى أن المسح المغناطيسي غير مضمون النتائج ولاسيما في حال وجود القباب الملحية. ولكنه أثبت فاعليته في المناطق التي يتخللها صخر الغرانيت والصخور النارية المماثلة. وقد تقتصر فائدته على اختصار مساحات الاستكشاف وحصرها في مناطق محددة.
المسح الثقلي: أما المسح الثقلي ويطلق عليه كذلك قياس حقل الجاذبية فيعتمد على جهاز شديد الحساسية يدعى مقياس الجاذبية gravitometer أومقياس الثقالة، يثبت في مركب في وضع مستقر تماماً، لأن قوة الموج قد تتسبب في خطأ الجهاز. وعندما يتحرك المركب فوق الماء يحدد المقياس وزن ثقل موجود في داخله، فإذا مر المركب والمقياس فوق صخور كثيفة يزداد وزن الثقل وبالعكس، لأن كثافة الصخور تحت القشرة الأرضية تغير من قوة الجاذبية التي تؤثر في وزن الثقل داخل المقياس. وعلى هذا النحو يمكن لمجموعة التنقيب عن النفط أن تكوِّن فكرة عن كثافة الصخر تحت القعر وأن تتوقع وجود مصائد هناك. وتجدر الإشارة إلى أنه يمكن إجراء المسح الثقلي إضافة إلى المسح المغنطيسي أو من دونه.
المسح الزلزالي: وهو الأكثر شيوعاً واستخداماً في التنقيب عن النفط في البر والبحر. وهو يتمم عمليتي المسح السابقتين لأنه يمكِّن من الحصول على تفصيلات كثيرة عن التكوينات الصخرية تحت القعر، ويعد آخر خطوة استكشافية يقوم بها المنقبون قبل الحفر التجريبي.
يعتمد المسح الزلزالي مبدأ انعكاس الموجات الصوتية عن طبقات الصخر السطحية أو تكسّرها أو انحنائها. ولما كانت الصخور تحت القشرة الأرضية على طبقات الواحدة فوق الأخرى فإن إصدار صوت عال منخفض التواتر في داخل الماء من مولد صوت يتسبب في حدوث موجات صوتية تنتشر آلاف الأمتار إلى الأسفل داخل الطبقات الصخرية، وتعكس كل طبقة منها قسماً من هذه الموجات فيلتقطها كاشف حساس على متن المركب. وتصل الموجات المنعكسة عن الطبقات الضحلة إلى الكاشف قبل غيرها المنعكسة عن الطبقات العميقة وبقياس زمن انعكاس كل منها يحصل المنقبون على صورة ما هو موجود تحت قعر البحر، ويمكنهم رسم مقطع جانبي لطبقات الصخر، استناداً إلى المعطيات التي يقدمها الكاشف، يسمئ «مقطعا زلزالياً» seismic section أو مقطعاً تسجيلياً record section (ومن دراسة هذا المقطع يستطيع الخبراء في التنقيب تخمين البنية الجيولوجية للمنطقة وتخمين احتمال وجود النفط فيها
محمد وليد الجلاد
الموسوعة العربية
فريق شبكة معلومة أون لاين
تصنف آبار النفط والغاز في نوعين أساسيين هما الآبار الاستكشافية exploration wells والآبار المنتجة producing wells فالبئر الاستكشافية تحفر للتحقق من وجود الزيت أو الغاز في الصخور الباطنية والتأكد من جدواه الاقتصادية، وهذا مايدعو إلى تسميتها أحياناً «البئر الجزافية wildcat» أي التي تحفر جزافاً. أما الآبار الاستثمارية أو المنتجة فهي التي تحفر بعد أن تؤكد البئر الاستكشافية وجود النفط في المنطقة. وقد يحفر منها عدة آبار في الموقع نفسه لزيادة فاعلية الإنتاج.
كان المنقبون عن النفط في أيام نشوء هذه الصناعة، يفتشون عن الينابيع الطبيعية ويحفرون آبارهم حولها. وقد علمتهم الممارسة والخبرة تَبيُّن مؤشرات محددة تدل على وجود النفط في مكامنه تحت الأرض. ويظن الكثيرون خطأ أن النفط موجود في بحيرات أو أنهار تحت الأرض. والحقيقة أن النفط والغاز كليهما موجودان في ثقوب دقيقة تدعى المسام pores في بعض الصخور التي قد تبدو صماء. وقد يتصل بعض هذه المسام فيما بينها فيصبح الصخر نفوذا permeable يسمح للزيت بالحركة ويمكن استخراجه منه إذا وجد بكميات كافية في مساحة مقبولة من الصخر تغطي نفقات الحفر والاستكشاف والاستخراج ـ ولاسيما في البحر ـ وهي نفقات باهظة جداً.
يوجد الزيت والغاز غالباً في صخور رسوبية نفوذة تكونت من مواد سابقة لها. ويعد الصخر الرملي والصخر الكلسي أكثر هذه الصخور أهمية في نظر الجيولوجيين المهتمين بالنفط، كما أن للطين الصفحي، وهو من الصخور الرسوبية الكتيمة، وللصخور الكتيمة الأخرى أهميتها لأنها تمنع نفوذ السوائل الهدروكربونية المحصورة في الصخور حولها، فتؤلف مايعرف بالمصائد أو المحابس traps.
تتألف المصيدة على وجه العموم من طبقات من صخور نفوذة تحوي الهدروكربونات وطبقة صخرية كتيمة تؤلف حاجزاً يمنع السوائل والغازات من الخروج من مسامها في الطبقة النفوذة. وتنتج معظم المصائد عن حوادث جيولوجية تتسبب في تشوه طبقات الصخور كأن تكون طبقات أفقية تطويها حركات الأرض والزلازل فتصبح مقوسة أو مقعرة. والطراز الأساسي من المصائد هو الذي ينشأ عن التواء طيات folding الأرض أو تصدعها faulting
وإن عدم تطابق طبقات الصخر أو تقببها أو حدوث السدادات فيها أو تبدل نفوذيتها داخل التكوين الصخري، أو بعض هذه الأسباب، يؤدي إلى نشوء المصائد. ولما كانت معظم المصائد السطحية التي لها مؤشرات ظاهرة قد نضبت أو في طريقها إلى النضوب، فقد أضحى من العسير التفتيش عن مكامن النفط اعتماداً على المؤشرات الظاهرة، ولاسيما في البحر حيث تغمر المياه العميقة قعره. ولا بد للمنقبين من اعتماد الطرائق العلمية غير المباشرة للكشف عن مكامن النفط ولاسيما في المراحل الأولى من البحث وتعتمد هذه الطرائق أساساً على خصائص معينة. فلكل نوع من الصخر خاصة مغنطيسية وكثافة تميزانه من غيره، وإذا ما استخدمت أدوات وأجهزة حساسة تمكن الباحث من قياس الفروق بين الصخور تحت الأرض، فإنه يستطيع تحديد التكوينات الصخرية التي قد تحتوي على الهدروكربونات. وكلمة «قد» هنا لازمة لأنه ليس من ضمانة لوجود الهدروكربونات في التكوينات الصخرية المعنية ولو توافرت كل الشروط الأخرى.
يقطر المركب خلفه مولد صوت sound generator تحت مائي على مسافة محددة، كما يقطر كبلاً طوله نحو 3كم (يدعى جدولاً انسيابياً streamer في لغة أهل النفط) تربط به كواشف للصوت تدعى مسماعات مائية (هيدروفونات) على أبعاد متساوية وله قوة طفو سالبة، وتعلق به أثقال تبقيه غائصاً تحت الماء على عمق كاف يجنبه تأثيرات الأمواج السطحية وتأثير الضغط الهدروستاتي.
ومولد الصوت المذكور هو مدفع يطلق هواء مضغوطاً على دفعات متتالية تحدث فرقعة عالية لا تلحق ضرراً بالأحياء البحرية ـ على نقيض المتفجرات التي كانت تستعمل في السابق ـ فتندفع الموجات الصوتية الصادرة عن المدفع نحو قعر البحر وتتوغل في التكوينات الصخرية تحته، ثم تنعكس عنها لتلتقطها المسماعات في الماء. ويختار موقع المدفع لكي لا يكون قريباً من سطح الماء فتضيع طاقته ولا عميقاً فيحدث فقاعة هوائية تُنتج عند صعودها إلى السطح وتفريغها قطاراً (سلسلة) من الموجات يؤثر في عمل الكواشف.
تحول المسماعات تحت الماء طاقة الصوت إلى نبضات كهربائية ينقلها الكبل إلى أجهزة التسجيل الزلزالي المثبتة على متن المركب، وهي أجهزة رقمية يمكنها تسجيل نحو 120 قناة أو أكثر ولها مضخمات ومرشحات ومازج يمسح الشارات الملتقطة بفاصل زمني منتظم (1ـ 4 ميلي ثانية) ويسجلها رقمياً على شريط ممغنط. وترسل الأشرطة إلى المختبر حيث تعالج معطياتها وتفسر بالاستعانة بالحاسوب ويرسم بالاستناد إليها مقطع زلزالي يستطيع الخبراء قراءته وتحديد مكان الحفر الاستكشافي إن دل المقطع على احتمال وجود مصائد النفط.
تحديد الموقع: بعد أن يتم جمع المعطيات اللازمة عن احتمال وجود النفط في منطقة ما، لا بد من توافر معلومات إضافية تحدد بدقة المكان الصحيح للموقع الذي ستجري فيه عمليات الحفر. ومثل هذا العمل على سطح اليابسة لا يتطلب جهداً كبيراً، إذ يستطيع المساح تحديد الموقع بسهولة استناداً إلى نقاط جيوديزية طبيعية وبمساعدة أجهزته الطبوغرافية. أما في البحر فالأمر مختلف تماماً، وثمة طرائق خاصة تتبع في تحديد الموقع يختار أنسبها بحسب الحال والإمكانات المتاحة، ففي بعض الحالات يتم العثور على النقطة المطلوبة وتحديد موقعها الدقيق بطريقة التثليث الراديوي وتتبع هذه الطريقة غالباً في المواقع البحرية القريبة من اليابسة، فتقام محطتان أو ثلاث محطات لاسلكية على اليابسة على مسافات محددة فيما بينها، وتعمل على تردد واحد مع المحطة اللاسلكية الموجودة على السفينة، والوقت الذي تستغرقه الإشارات المتبادلة بفواصل زمنية منتظمة بين المركب والمحطات الأرضية يدل دلالة صحيحة على المسافة التي تفصل المركب عن تلك المحطات، ويمكن بذلك تحديد موقع المركب في كل لحظة بدقة تامة. وعيب هذه الطريقة زيادة احتمال الخطأ كلما توغل المركب في البحر، فإذا تجاوز البعد عن الساحل 200كم أصبح الخطأ كبيراً جداً. وعندئذ تتبع الملاحة الفلكية مع الاستعانة بالسواتل.
ولتحديد عمق المياه في الموقع البحري البعيد يستخدم جهاز دبلر الصوتي Doppler sonar الذي يركب في أسفل السفينة ويولد نبضات فوق الصوتية تتجه إلى قعر البحر وتنعكس عنه فيلتقطها الجهاز ويقيس العمق الذي يفصل المركب عن القعر. ولدى قياس مقدار انزياح الموجات الصوتية المنعكسة عند جؤجؤ (مقدم) المركب وكوثله (مؤخره) يمكن معرفة سرعة حركة السفينة، ويتولى الحاسوب في هذه الحالة حساب السرعة الحقيقية مع مراعاة العوامل المؤثرة في حركة المركب كالميل وسرعة الريح واتجاهها وتأثير الأمواج وحركات المد والجزر وغير ذلك. ويتحدد موقع السفينة في كل لحظة على أساس سرعة المركب والمسافة التي قطعها واتجاه حركته. وفي حالات أخرى يمكن الإفادة من السواتل الفضائية في تعيين مكان المركب أو موقع الحفر، ولاسيما في المناطق البحرية النائية التي لا تغطيها شبكة التثليث الراديوي، فيمكن للمركب أن يستفيد من معطيات السواتل المختلفة الموجودة في الفضاء على ارتفاعات متباينة (مثل منظومة السوات[ل البحرية الأمريكية) لتحديد موقعه في البحر بدقة كبيرة استناداً إلى ثوابت دوران الساتل الذي يبث إشاراته دورياً، ويتولى جهاز الاستقبال على المركب تحليل رموز هذه الإشارات عندما يمر الساتل في مجال استقباله، ويحدد موضع الساتل في تلك اللحظة، وتدخل هذه المعطيات في الحاسوب الذي يقوم بحساب انزياح دبلر وموقع الساتل الفعلي نتيجة حركته وحركة المركب وسرعته واتجاهه ويوازن بين هذه المعطيات جميعها ليحدد موقع المركب في كل لحظة وبدقة كبيرة. وتسجل هذه المعطيات دورياً ثم ترسل إلى مركز المعالجة الرئيسي على اليابسة لرسم مسار المركب وتحديد موقعه وموقع النقاط التي تم مسحها من قعر البحر. وتجهز غرفة الملاحة في المركب عادة بوحدة تلفزة تبين مساره وموقعه.
والطريقة الوحيدة الممكنة للتحقق من وجود النفط هي حفر بئر في تلك التكوينات. ولكن المشكلة الرئيسة هنا هي اختيار البقعة التي يجب أن يتم الحفر فيها. فالمساحات التي يغطيها البحر شاسعة وعلى الباحث عن النفط أن يقصر همه في بقعة ضيقة. وهذا مايضطره أحياناً إلى القيام بأربع عمليات أساسية: المسح المغنطيسي والمسح الثقلي والمسح الزلزالي ثم حفر بئر استكشافية إذا كانت معطيات المسح إيجابية واعدة. وتتم هذه الخطوات بالتتابع عادة عندما يكون التنقيب عن النفط على سطح اليابسة. أما في البحر فتنفذ معظم الأعمال الاستكشافية من على ظهر مركب مجهز بمعدات متنوعة وتوفر له إمكانية تنفيذ المسح بأنواعه في آن واحد:
المسح المغناطيسي: يستخدم في المسح المغناطيسي جهاز خاص يدعى «مقياس المغناطيسية» magnetometer تقطره السفينة أو يركب على جناح طائرة استكشاف مهيأة لهذا الغرض فيقيس الجهاز مغناطيسية الصخور تحت القشرة الأرضية ويسجل نتائجها. فإذا كانت الصخور متجانسة دلت مؤشرات الجهاز على وحدة الحقل المغناطيسي، أما إذا أشار الجهاز إلى وجود شذوذ (تباين) في الحقل فسوف يستدل على وجود صخور تحوي فلزات ذات خصائص مغناطيسية وهي إحدى علامات احتمال وجود النفط. فالصخر القاعدي، وهو صخر ناري، يقع في كثير من الحالات تحت طبقات رسوبية، وهو نادراً ما يحوي على مركبات النفط إلا أنه يبقيها فوقه في بعض الحالات، أو أنه يتخلل الصخر الرسوبي في اندفاعاته فيحدث فيه طيات (تحدبات) قد تكون مصائد للنفط أو الغاز، ولا بد من الإشارة هنا إلى أن المسح المغناطيسي غير مضمون النتائج ولاسيما في حال وجود القباب الملحية. ولكنه أثبت فاعليته في المناطق التي يتخللها صخر الغرانيت والصخور النارية المماثلة. وقد تقتصر فائدته على اختصار مساحات الاستكشاف وحصرها في مناطق محددة.
المسح الثقلي: أما المسح الثقلي ويطلق عليه كذلك قياس حقل الجاذبية فيعتمد على جهاز شديد الحساسية يدعى مقياس الجاذبية gravitometer أومقياس الثقالة، يثبت في مركب في وضع مستقر تماماً، لأن قوة الموج قد تتسبب في خطأ الجهاز. وعندما يتحرك المركب فوق الماء يحدد المقياس وزن ثقل موجود في داخله، فإذا مر المركب والمقياس فوق صخور كثيفة يزداد وزن الثقل وبالعكس، لأن كثافة الصخور تحت القشرة الأرضية تغير من قوة الجاذبية التي تؤثر في وزن الثقل داخل المقياس. وعلى هذا النحو يمكن لمجموعة التنقيب عن النفط أن تكوِّن فكرة عن كثافة الصخر تحت القعر وأن تتوقع وجود مصائد هناك. وتجدر الإشارة إلى أنه يمكن إجراء المسح الثقلي إضافة إلى المسح المغنطيسي أو من دونه.
المسح الزلزالي: وهو الأكثر شيوعاً واستخداماً في التنقيب عن النفط في البر والبحر. وهو يتمم عمليتي المسح السابقتين لأنه يمكِّن من الحصول على تفصيلات كثيرة عن التكوينات الصخرية تحت القعر، ويعد آخر خطوة استكشافية يقوم بها المنقبون قبل الحفر التجريبي.
يعتمد المسح الزلزالي مبدأ انعكاس الموجات الصوتية عن طبقات الصخر السطحية أو تكسّرها أو انحنائها. ولما كانت الصخور تحت القشرة الأرضية على طبقات الواحدة فوق الأخرى فإن إصدار صوت عال منخفض التواتر في داخل الماء من مولد صوت يتسبب في حدوث موجات صوتية تنتشر آلاف الأمتار إلى الأسفل داخل الطبقات الصخرية، وتعكس كل طبقة منها قسماً من هذه الموجات فيلتقطها كاشف حساس على متن المركب. وتصل الموجات المنعكسة عن الطبقات الضحلة إلى الكاشف قبل غيرها المنعكسة عن الطبقات العميقة وبقياس زمن انعكاس كل منها يحصل المنقبون على صورة ما هو موجود تحت قعر البحر، ويمكنهم رسم مقطع جانبي لطبقات الصخر، استناداً إلى المعطيات التي يقدمها الكاشف، يسمئ «مقطعا زلزالياً» seismic section أو مقطعاً تسجيلياً record section (ومن دراسة هذا المقطع يستطيع الخبراء في التنقيب تخمين البنية الجيولوجية للمنطقة وتخمين احتمال وجود النفط فيها
محمد وليد الجلاد
الموسوعة العربية
فريق شبكة معلومة أون لاين




0 التعليقات


